محمد طاهر الكردي

173

التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم

يفتتنوا في صلاتهم فرحا برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فأشار إليهم بيده أن أتموا صلاتكم ثم دخل الحجرة وأرخى الستر . وفاة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وفي ضحى يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول سنة إحدى عشرة من الهجرة توفي رسول اللّه ، صلى اللّه عليه وعلى آله وصحبه وسلم ، أي في مثل الوقت الذي دخل فيه المدينة المنورة ، وقبض صلى اللّه عليه وسلم في كساء ملبد ، قال أبو بردة : أخرجت إلينا عائشة كساء ملبدا وإزارا غليظا ، فقالت : قبض رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في هذين . ولما توفي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم دهش الناس وطاشت عقولهم ، فمنهم من خبل ومنهم من أصمت ، ومنهم من أقعد إلى الأرض ، فكان عمر بن الخطاب ممن خبل ، فجعل يصيح ويقول : إن رجالا من المنافقين يزعمون أن رسول اللّه توفي ، وإنه واللّه ما مات ولكنه ذهب إلى ربه كما ذهب موسى بن عمران ، فقد غاب عن قومه أربعين ليلة ثم رجع إليهم بعد أن قيل قد مات ، واللّه ليرجعن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كما رجع موسى ، فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم زعموا أن رسول اللّه مات . وأما عثمان بن عفان فأخرس حتى يذهب به ويجاء ولا يتكلم إلا بعد الغد ، وأقعد علي بن أبي طالب فلم يستطع حراكا ، وأضني عبد اللّه بن أنيس ، ولم يكن فهيم أثبت وأحزم من أبي بكر والعباس . وكان أبو بكر غائبا بالسنح وهي منازل بني الحارث من الخزرج بعوالي المدينة بينه وبين منزل النبي صلى اللّه عليه وسلم ميل ، فأقبل على فرس ، فلما أخبر الخبر دخل بيت عائشة وكشف عن وجه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فجثا يقبله ويبكي ويقول : توفي والذي نفسي بيده ، صلوات اللّه عليك يا رسول اللّه ما أطيبك حيا وميتا ، بأبي أنت وأمي لا يجمع اللّه عليك موتتين ، ثم خرج فحمد اللّه وأثنى عليه ، ثم قال : " ألا من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات ، ومن كان يعبد اللّه فإن اللّه حي لا يموت " ، ثم تلا قوله تعالى : إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ، وقوله عز شأنه : وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ ، وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ .